المسلم والتكاليف الشرعية

salama.jpgتأتي التكاليف الشرعية من قبل المولى تبارك وتعالى لتضع المؤمن في اختبار حقيقي بين القبول والخضوع والاستسلام لأمر الله وشرعه وهديه، وبين الرفض والشك وإعمال عقله القاصر، فأين يضع المؤمن الحقيقي نفسه مع تكاليف الله سبحانه وتعالى؟

 

 التقينا فضيلة الشيخ سلامة عبد الرحيم ،الباحث الشرعي والإمام بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت... لنقف معه عدة وقفات حول المسلم والتكاليف الشرعية ...   

 

  • بداية فضيلة الشيخ .. جاء قول الله تبارك وتعالى :{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } البقرة/286 ، بعد قوله  {وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }البقرة285، كيف ترى فضيلتكم هذه المعاني من خلال هذا الطرح القرآني الكريم ؟

بسم الله والحمد لله والصلاة السلام على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسان، وبعد،،

تجيء هذه الآيات المباركات من قبل المولى -تبارك وتعالى - مخاطبة المسلم الكريم الذي سلم قلبه وسلمت جوارحه لله تبارك وتعالى وتكليفاته ، فبعد أن صدع بقوله سمعنا وأطعنا أراد الله تبارك وتعالى أن يخبره ويطمأنه بأن هذه التكاليف الإلهية لا تكون فوق الاستطاعة البشرية ،بل تجيء الاستطاعة قبل التكليف ،كيف لا وهو الصانع العظيم الذي يعلم صنعته ،ما يصلحها وما يعطبها ، فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم-  يعيشون آيات القرآن الكريم بقلوبهم وعقولهم ووجدانهم ،وليس بألسنتهم وتلاواتهم فقط ،فصار القرآن في حياتهم هو الدستور والدليل للحياة الأبدية في جنة الله تبارك وتعالى،والتي عرضها السماوات و الأرض ، فالقرآن في حياتهم منهج حياة، فلما نزل قوله تعالى:{لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة/284 ، اشتد ذلك على أنفسهم فأتوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم بركوا على الركب ،فقالوا أي رسول الله ،كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ،وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها ،فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " أتريدون أن تقولوا مثلما قال أهل الكتاب من قبلكم: " سمعنا وعصينا " بل قولوا: " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فلما اقترأها القوم واعترفت بها قلوبهم وجوارحهم ،أنزل الله تبارك وتعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ باللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ...  } البقرة/285 ،فلما فعلوا ذلك نسخها الله جل وعلا فأنزل قوله تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ }البقرة/286 ، وهذا يدل دلالة واضحة جلية على أن الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – لما قالوا سمعنا وأطعنا مدحهم الله -جل في علاه - وأثنى عليهم ورفع المشقة في أمر الخواطر وحديث النفس ،وما في الآية التي سبقت آية{ آمن الرسول }، وهذه ثمرة الطاعة والانقياد لله سبحانه وتعالى ،والرضا عن التكاليف الشرعية،وخاصة أن الله سبحانه وتعالى لم يكلفنا بالمشقات الثقيلة ،ولا بالأمور المؤلمة ،كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم ، بل سهل ورفق بنا ،ووضع عنا الإصر والأغلال ،فلله الحمد والمنة والفضل والنعمة .

 

  • فضيلة الشيخ حفظكم الله ،المؤمن دائر بإيمانه مع تكاليف الله تعالى حيث تدور ،كيف ترون ذلك  ؟

بكل تأكيد ،ولا شك في ذلك ،فالمؤمن ينبغي أن يدور بقلبه وجوارحه مع تكاليف الله تبارك وتعالى ،حيث تدور،ونجد هذا متحققاً واضحاً جلياً في عصر الصحابة – رضي الله عنهم- ،قال السدي :افتخر ثابت بن قيس بن شماس – رضي الله عنه – ورجل من اليهود ،فقال اليهودي:والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا،قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } البقرة/54، فقال ثابت:والله لو كتب علينا(أن اقتلوا أنفسكم ) لقتلنا، فأنزل الله قوله تعالى:{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً * وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء } النساء/66- 69 ، قال ابن جرير عن أبي إسحاق السبيعي :لما نزلت هذه الآية قال رجل لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم– فقال:" إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " وهكذا يكون المؤمن يدور مع تكاليف الله حيث دارت " .

 

  • هل للمؤمن أن يعمل عقله في تكاليف الله تعالى، وإن رآها من وجهة نظره غير متوافقة ؟

أقول بداية إن من شروط التكاليف الشرعية في الإسلام العقل ؛لأن التكاليف الشرعية خطاب موجه من الله تبارك وتعالى،ولا يكون الخطاب إلا لعاقل يفهم ويعي مراد لله من خطابه ،ولا يكون لمن لا يفهم كالجماد والنبات والحيوان والمجنون ، والعقل يقتضي ذلك .

وقد احترم الإسلام العقل فأعطاه قدره وأنزله منزلته ،قال تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } البقرة/164 ، ويقول تعالى:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ } آل عمران/190 ، والأدلة في هذا الشأن كثيرة ، ولكن العقول البشرية لا تستقل بإدراك مصالحها لذلك أنزل الله شرعه المطهر لجلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها،وهذا العقل لا يخالف الشرع الصريح ، بل كل ما أمر الشرع أو نهى عنه فإن العقل السليم من الأوهام والأهواء يوافق ذلك ويخالفه،وقد وقع الخلاف بين الناس في مسألة التحسين والتقبيح العقليين ،وخرج الكثير منهم عن جادة الصواب بسبب هذه المسألة ،وكذلك انحرف كثير من الناس عن العقيدة الصحيحة والتكاليف الربانية السديدة ،فوقعوا في البدع بسبب استعمال العقل وحده ،ومن هنا نقول:إن هناك علاقة وطيدة بين النقل والعقل ،يقول في ذلك الإمام الشاطبي : إذا تعارض النقل والعقل في المسائل الشرعية فشرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعاً ويتأخر العقل فيكون تابعاً فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل .

فلا يعمل المؤمن عقله في التكاليف الشرعية وإن رآها من وجهة نظره غير متوافقة لأن العقل مهما بلغ فهو قاصر محدود ،أما الشرع فلا حدود له لأن مصدره الوحي الإلهي من رب العالمين،العليم بصنعته ،الخبير بعباده ، يعلم ما ينفعهم فيأمرهم به، ويعلم ما يضرهم  فينهاهم عنه . 

 

  • وماذا عن آثار إعمال العقل في مسائل التكاليف الشرعية، لاسيما في مسائل  العقيدة والتوحيد بين القبول والرفض ؟

من المعروف أن التكاليف الشرعية في الدين الإسلامي ليست محض شعائر روحية ولا أساطير موروثة ولا خرافات مروية وليست كذلك قيداً على العقل وليس المسيطر على هذه التكاليف مؤسسات كهنوتية،أو سلطات سياسية ليس الدين شيء من ذلك ،حتى يوضع في مواجهة مع العقل، بل التكاليف الشرعية من قبل الله -تبارك وتعالى-عبارة عن منهج حياة متكامل بكل ما تحمله الكلمة من معنى يصلح بهذه التكاليف الشرعية كل زمان ومكان ، لذلك لم يترك لنا الله سبحانه وتعالى الخيار في القبول أو الرفض إذا قضى الله ورسوله أمراً،قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً } الأحزاب/ 36.

 

  • وماذا يجب أن يكون عليه المؤمن تجاه التكاليف الشرعية  والعمل بها ؟

يجب على المؤمن التسليم التام والرضا الكامل بالتكاليف الشرعية التي جاء بها الشرع الحنيف مصداقاً لقوله تعالى السابق ،وقوله تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } النساء/65 ، فيكون على ذلك طوال حياته ، كله تسليم وخضوع لأمر الله ، وأن يعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا شرع ولا دستور ولا قانون أفضل من شرع الله  سبحانه وتعالى ، وأن يكون راضياً عن الله فيما شرع الله ؛ حتى ينال رضاه وجنته يوم القيامة . 

 

وفي الختام نشكر باسمكم الشيخ سلامة عبد الرحيم، الباحث الشرعي والإمام بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت،على هذه الوقفات حول موقف المسلم من التكاليف الشرعية وكيف يكون راضياً عن شرع الله سبحانه وتعالى ، ونسأل الله القدير أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغني، وأن يجعل شرعه الكريم أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا وأموالنا والناس أجمعين ، وأن يجعله نبراساً ومنهاجا في كل مناحي حياتنا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام وسلم تسليماً كثيراً .

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت