رأس المال الفكري .. رصيد لا ينفد

يحيى عثمانعقدت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت مؤتمراً هو الأول من نوعه على مستوى الوطن العربي وكان موضوعه كيف الحفاظ على رأس المال الفكري، تحت شعار :" نحو رؤية إستراتيجية جديدة للمؤسسات الحكومية" في الفترة من 18 – 20 يناير من عام 2010..

التقينا واحداً من العلماء الذين كان لهم قصب السبق ببحثه المتميز، والذي تناول فيه مقترحاً لإطار عمل تطبيق مشروع الاستثمار في رأس المال الفكري بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت ،وهو الأستاذ الدكتور/ يحيى عثمان، خبير التنمية البشرية، التقيناه لنحلق معه حول هذه القضية المهمة وهي قضية رأس المال الفكري ، وكانت لنا معه هذه  الوقفات ....

 

  • بداية فضيلة الدكتور – حفظكم الله تعالى – ماذا عن قضية ومصطلح رأس المال الفكري، و كيف ظهر على الساحة الفكرية هذه الأيام ؟     

 

بسم الله والحمد لله والصلاة السلام على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسان، وبعد،،

إن مفهوم ومصطلح رأس المال الفكري ظهر لأول مرة منذ عقدين من الزمن، وهو ليس له حتى هذه اللحظة إطار واحد محدد ،فهو دائم التجديد نتيجة الأبحاث الكثيرة التي تناولته ،بالإضافة للعديد من محاولات تطبيقه مما زاد في إثرائه وتطويره ،بالإضافة إلى المحاور التي ينظر فيها ،فله عدة محاور منها الإداري والمحاسبي والاقتصادي والاجتماعي ، بل والسياسي أيضاً ،ولكن الأهم من المعنى هو المفهوم حيث اشتغل المهتمون بالعوامل المؤثرة في إنجاح المنظمات من عصر النهضة الصناعية ومبادئ الإدارة العلمية الحديثة لفردريك تايلور ، ولقد تطورت العوامل المؤثرة في إنجاح المنظمات إلى أن استقرت على أهم عامل يفرق بين المنظمات الناجحة والفاشلة وهو قدرته على الاستخدام الأمثل لما يعرف برأس المال الفكري الذي يتكون من ثلاثة محاور رئيسة وهي :

 

1 – رأس المال البشري

وهو عبارة عن التراكم المعرفي لدى العاملين بالمنظمة وما يمثله من تنامي خبراتهم الممثلة في المعارف والمهارات والقدرات والتي تمكنهم من حسن كفاءة أداء ليس فقط ما يوكل إليهم من أعمال ومما يتضمنه الوصف الوظيفي لما يشغلونه من وظائف من عمليات ولكن الأهم هو النتيجة المستدامة لأدائهم المهني والإداري وتفاعلهم الشخصي بالمنظمة ، وعلى الجانب الآخر لا يقل قيمة عن التراكم المعرفي لدى الأفراد العاملين بالمنظمة ، يأتي ما يعرف بالتدفق أو التواصل أو الانسياب المعرفي ، وهو مغاير كلية لما يعرف بدليل تتابع الإجراءات ،حيث يميز التدفق المعرفي أن كل فرد في المنظمة يعلم ما يحتاج إليه من معرفة لحسن كفاءة أداء المهمة الموكل بها ويعرف أين يجده وكيف يحصل عليه ،هنا يتكون ما يعرف بالمنظومة المعرفية ، حيث تصبح منظومة المعرفة التي تمتلكها الإدارة ليس فقط مجموع المعارف التراكمية لدى العاملين ، ولكن هي محصلة تفاعل كل تلك المعارف .

2- رأس المال التنظيمي

تأتي أهمية قيمة رأس المال التنظيمي من أنه مهما بلغت المعارف المتوافرة لدى الأفراد  إلا أنه لا قيمة لها ما لم يوجد تنظيم كفء يهيئ  بيئة  العمل للاستخدام الأمثل للخبرات المتوافرة لدى منتسبي المنظمة ،لذا يمكن تعريف رأس المال التنظيمي بأنه هيكل تنظيمي كفء يدعم التدفق المعرفي بين وحداته يتميز بالمرونة في مواجهة متغيرات ومتحديات بيئة العمل .

3 – رأس مال المتعاملين مع المنظمة .

ويقصد به حسن كفاءة التعامل مع الشريحة المستهدفة من خدمات أو منتجات المنظمة، وهو يعتمد على حسن كفاءة اختيار وتوظيف قنوات التواصل مع الفئة المستهدفة من خدمات أو منتجات المنظمة بهدف تحقيق رضا المتعاملين مع المنظمة، وتتضح أهمية وقيمة رأس مال المتعاملين مع المنظمة من أن تفاعل رأس المال البشري والتنظيمي يؤدي إلى جودة الخدمة أو المنتج ولكن ما قيمة ذلك ما لم يحسن تسوق تلك الخدمة أو المنتج من خلال حسن كفاءة اختيار وتوظيف قنوات التواصل مع الفئة المستهدفة ؟

من هذا المنطلق يمكن توصيف رأس المال الفكري بأنه منهجية تقوم على إعادة صياغة العلاقة بين الموظف والوزارة حيث تحرص الوزارة على الاستثمار في منتسبيها برفع مستوى خبراتهم من المعارف والمهارات والقدرات من المنظور المهني والإداري والشخصي حيث يتم تفاعل كل العاملين من خلال هيكل تنظيمي يدعم التراكم والتدفق المعرفي بالوزارة فيبدع العاملون بابتكار خدمات بجودة متميزة ،كما يحرص المتعاملون مع الفئات المستهدفة من تلك الخدمات على حسن التواصل حتى تؤدي الخدمة المستهدف تقديمها .

 

  • فضيلة الدكتور وماذا عن العوائد والمخرجات  والنتائج التي تعود على أي منظمة من جراء تطبيق هذا المشروع ؟

إذا قلنا في هذا الصدد إن هناك عائداً وحيداً ورئيسياً وهو زيادة كفاءة المنظمة وإنتاجيتها فيكفي هذا العائد ، فهو يؤثر إيجاباً على تحقيق المنظمة لرؤيتها ورسالتها والغايات الإستراتيجية التي أنشئت من أجلها ،كما أن المشروع يضمن للمنظمة أن كل العمليات التي تتم بكل قطاعاتها تتم طبقاً لسياسات وأطر العمل المعتمدة ،كما أن المشروع يساعد على تفعيل النموذج القيمي الذي تحرص الوزارة على تطبيقه ،بالإضافة إلى ذلك فإن هناك مجموعة من الفوائد الثانوية والتي على الرغم من أهميتها إلا أنها غير مستهدفة بذاتها ،ولكنها تساعد وتدعم تحقيق العائد الرئيسي للمشروع  وهي تتمثل فيما يلي :

 

1- حسن كفاءة الاستخدام الأمثل للموارد، ويجب التفريق بين الاستخدام الأمثل والاستخدام الفاعل،فمثلاً في مجال الموارد  البشرية قد يستغل الموظف كل وقته في العمل دون إهدار، ولكنه قد يكون غير مستخدم الاستخدام الأمثل ، على سبيل المثال : إذا كان باحثاً في أي مجال فهو فيقضي 40 % من وقته في العمل البحثي ، وباقي وقته يضيع في مسألة الطباعة وتدقيقها إملائياً ،وتعتقد الوزارة أنهاها قد وفرت أجر طبّاع ،فقد تحرص المؤسسات الناجحة على توفير مراسل لأداء بعض المتطلبات الشخصية لمنتسبيها، والتي يجب أن يقوموا بها في وقت الدوام الرسمي ،فيتفرغ الموظف لأداء عمله وتحقق المنظمة عائداً أكبر من الموظف في وظيفته .

2- نتيجة الاستثمار في رأس المال البشري يتحقق على محور العاملين بما يلي:

 

أ – زيادة معدل الرضا الوظيفي وهو يتكون من مجموعة من العوامل ولكن تشير الدراسات إلى أن النمو المستديم لخبرات الموظف من خلال عمله يعتبر من أعلى المؤثرات في الرضا الوظيفي .

ب – الالتزام الوظيفي :

  وهنا نفرق بين الالتزام الوظيفي نتيجة الجزاءات التي تتضمنها اللوائح وبين الالتزام الوظيفي الناتج من القناعة الذاتية بقيمة الالتزام على العائد الشخصي وعلى المحافظة على مكانة الوزارة وسمعتها ،فإن تطبيق مشروع رأس المال الفكري ينمِّي القناعات الذاتية بقيمة وأهمية الالتزام ،ليس فقط ما هو مدون باللوائح ولكن الأهم بما يرفع من كفاءة العنصر التنظيمي للمنظمة .

جـ – الدافعية الذاتية

وتأتي هذه الدافعية نتيجة لمنهجية سياسة الاستثمار البشري ، وهي من دعائم رأس المال الفكري ،حيث تتولد دافعية وظيفية لدى منتسبي المؤسسة ، فلم يعد أمل أي مسئول أن تنفذ مسئولية ما يطلب منهم ،بل إن المسئولين يبذلون قصارى جهدهم بدافعية ذاتية تولدت لديهم فيسعى كل فرد ليس فقط لأداء مهام وظيفية ،بل البحث الدءوب بما يمكن أن يضيفه من قيم وظيفية ذي عوائد إيجابية على المنظمة التي يعمل من خلالها ، سواء كانت منظمة حكومية أو أي عمل أهلي أو شخصي .    

د – الاندماج الوظيفي 

وهو تفاعل الموظف مع المنظمة، بحيث لم يعد يحضر ويداوم في عمله  لمجرد القيام بأعباء وظيفية ،وتمثل بذلك عبئاً عليه ،حيث يشعر بالارتياح بعد الخروج من المنظمة ،بل إنه يتفاعل مع بيئة العمل ويسعد بما يحققه من ارتقاء على المستوى الشخصي ،وبما يضيفه للمنظمة من قيمته ،كذلك على المستوى الشخصي ،وبما يضيفه للمؤسسة من قيمة ،كذلك على مستوى العلاقات بين الموظفين نتيجة التكامل من أداء واجباتهم ،لتكون المنظومة المعرفية للمنظمة على خير حال ،وشعور كل منهم أنه جزء من كيان عظيم ، يساعد ذلك على تكوين علاقات إنسانية تؤدي إلى اندماجهم الوظيفي .

هـ – المواطنة الوظيفية

يعتمد الاستثمار في رأس المال البشري على بناء بنية تحتية من القناعة الكاملة وترسيخ قيمة رؤية المنظمة ورسالتها وغاياتها الإستراتيجية ،والنموذج القيمي الذي تحرص المنظمة على تفعيله ،وكذلك السياسات العامة وأطر العمل التي تلتزم بها، وبحيث يرسخ في وجدان كل موظف أنه هو المسئول عن تحقيقه ، وأنها تمثله هو ،وعليه فهو طاقة إعلامية تقوم بتسويق قيمة المنظمة في أي مجتمع، فهو المعبر عن خططها وسياساتها ، وهو المدافع عن أي نقد يوجه للمنظمة ، وهو الموضح لأي اتجاه أو أي إجراء تنوي المنظمة أن تقدمه ، أو تطرحه ،والذي من شأنه أن ينهض بالعمل المؤسسي داخل منظمته الأم التي يعمل من خلالها .

 

 وفي الختام نشكر باسمكم الأستاذ الدكتور/ يحيى عثمان ، خبير التنمية البشرية، على هذه الوقفات الأولية حول تطوير رأس المال الفكري ،والذي سوف تتبعه وقفات أخرى بإذن الله تعالى في حوارات أخرى ، ونسأل الله القدير أن يكتب لبلاد المسلمين أمر رشد ،ويقيض لها من يقود دفة التنمية والتطوير والازدهار والرقي في كل مؤسساتنا ، بما يحقق الخير، ويعم النفع على أمتنا العربية والإسلامية ،  وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام وسلم تسليماً كثيراً .

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية