الهجرة النبوية .. وأمل الأمة

ما أشبه الليلة بالبارحة، فعندما نسترجع تاريخ أمتنا الإسلامية  قبل الهجرة النبوية وما كانت فيه من الاستضعاف، وكيف نصر الله أمته بعد الهجرة النبوية، وكتب لها الريادة والعزة وقيادة العالم، عندما أخذت بسنن الله في كونه من الأخذ بالأسباب ويسبقه التوكل على ربها، واليوم تجد أمتنا في حالة من الضعف وسلمت دفة الريادة لغيرها..

يسعدنا أن يكون معنا في هذا اللقاء فضيلة الشيخ الداعية /سامي سعد بلال، المرشد الديني بإدارة الثقافة الإسلامية بوزارة الأوقاف، لنستشرف معه الأمل وسط هذه الأحوال من خلال هذا اللقاء ..

 

  • بداية فضيلة الشيح - حفظكم الله تعالى- لماذا كانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة ؟

الإجابة حول هذا السؤال نجدها واضحة نقية في سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وما لاقاه في مكة في بداية الدعوة من السبِّ والتكذيب والتضييق والتعذيب ، ولقد طال هذا الأذى أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – على صور متفرقة بين قتل وتعذيب وجرح وإسالة للدم، كما هو معروف في السيرة النبوية، فتحت وطأة هذا الظلم والطغيان لم يجد النبي – صلى الله عليه وسلم – بداً من أن يشير على أصحابه – رضي الله عنهم – بالهجرة ، ولكن إلى أين سوف يهاجرون ؟ فقد كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة ؛لأن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد ،فيخرج الصحابة في هجرتهم الأولى إلى الحبشة ،وهناك يتغرب الصحابة – رضوان الله عليهم – مدة من الزمن، ثم أراد أن يهاجر النبي – صلى الله عليه وسلم – بنفسه، بعد أن هاجر الصحابة إلى الحبشة فقرر الهجرة إلى الطائف لعله يجد أرضاً تقبل بذرة التوحيد أو يجد قلوباً حانية تقبل نشر الإسلام أو دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – فإذا بأرض الطائف هي الأخرى تلفظ كلمة التوحيد ،وإذا بأهلها يفعلون مع النبي – صلى الله عليه وسلم – أخس  ما يفعله الإنسان مع أخيه الإنسان ،مما جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – يعود مرة أخرى إلى مكة المكرمة ، وتمر الأيام وهو في مكة، ولا يجد في مكة إلا البطش والظلم والطغيان إلى أن جاء الوقت المناسب الذي يأمر فيه النبي أصحابه بالهجرة، وهي الهجرة الأخيرة، وهذه المرة إلى يثرب، التي سميت بعد ذلك بالمدينة المنورة ،فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – الصحابة بالهجرة جماعات جماعات سراً، حتى لا يشعر بهم المشركون فيؤذونهم، إلى أن جاء الوقت بخروج النبي – صلى الله عليه وسلم – وعندما أراد الخروج علم الكفار في مكة ما يريد فعله النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم يروا حلاً لهذه المشكلة سوى القضاء على النبي – صلى الله عليه وسلم – لعلمهم أنه إذا قتل فقد انتهى الإسلام وتوقفت الدعوة ، يقول تبارك وتعالى : {وَإِذْ يَمْكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفال/ 30 ، فعلم الله تبارك وتعالى بما خطط له المشركون ، فنجى الله – عز وجل – نبيه – صلى الله عليه وسلم – بصورة عجيبة، كلنا يعرفها ودرسناها من خلال السيرة النبوية ،كيف خرج من بين أيديهم ،من غير أن يرونه مع أنه قد مشى أمامهم واستخلف مكانه علياً بن أبي طالب – رضي الله عنه – والله تبارك وتعالى حفظ نبيه – صلى الله عليه وسلم – فقد قال الله – عز وجل - : { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } يوسف /21 .

 

  • وهل من دروس نتعلمها في التخطيط والتنظيم من حادثة الهجرة ؟

قد كلف الله – عز وجل – نبيه بالهجرة وقد كان عمره آنذاك ثلاثة وخمسين عاماً، وكانت الظروف صعبة وقاسية، ومع ذلك فقد خرج النبي – صلى الله عليه وسلم – مضطراً بالليل من مكة إلى المدينة مختفياً هو وصاحبه أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – مهاجراً بالليل من مكة إلى المدينة مختفياً هو وصاحبه من أعين المطاردين، الذين رصدوا الجوائز المغرية لمن يأتي بمحمد – صلى الله عليه وسلم – حياً أو ميتاً ، فقد وضع النبي – صلى الله عليه وسلم – خطة في التخطيط والتنظيم في غاية الدقة والحكمة وذلك في نقاط كالتالي :

أولاً: أذن لسائر المسلمين بالهجرة، وأمر أبا بكر الصديق وعلياً بن أبي طالب بالبقاء في مكة .

ثانياً : لمن أراد أن يهاجر إلى المدينة عليه أن يسير تجاه الشمال ولكنه – صلى الله عليه وسلم – اتجه جنوباً ناحية اليمن ليضلل المطاردين .

ثالثاً: الأمر بالسفر والهجرة يحتاج إلى دابة قوية، فيجيء الصديق أبو بكر براحلتين قويتين ويقوم على أمرهما.

رابعاً : الطريق يحتاج إلى رجل خبير بالطرق ودروبها، يعرف الطرق الممهدة ويعرف الطرق الصعبة ، والجانبية الفرعية، ولا حرج أن يكون من المشركين  بعدما تأكد النبي – صلى الله عليه وسلم– من أمانته فكان عبد الله بن أريقط .

خامساً : لن تهدأ قريش في الأيام الأولى سواء في الليل أو في النهار عن البحث عن النبي – صلى الله عليه سلم- فاختبأ النبي وصحبه لمدة ثلاثة أيام، حتى يهدأ الطلب ويقل البحث عنهما .

سادساً: يأتي بعبد الله بن أبي بكر، ليعرف الأخبار والخطط التي تدبرها قريش للنبي وصحبه، فكان يأتي بالأخبار ليلاً وقبل الفجر يبيت في مكة حتى يظن المشركون أنه لم يغادر مكة ليلاً.

سابعاً : كانوا يتخلصون من آثار الأقدام فيأتي عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق ويرعى الأغنام فتمحوا الأغنام هذه الآثار فيحلب لهم اللبن ويقدم لهم الطعام .

ثامناً: في بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – ينام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – على فراشه ويلتف ببردته حتى لا يعرف المشركون من هو النائم في بيت النبي – صلى الله عليه وسلم–.

كل هذه خطوات فعلها النبي – صلى الله عليه وسلم – لتدلل على التخطيط والتنظيم كي يرشد الأمة إلى أنها لا تعتمد على التواكل وتترك الأسباب وتسير دون تخطيط وتنظيم.

 

  • وكيف ترى فضيلتكم موقف الأمة من الهجرة النبوية كحدث مهم في تاريخ الإسلام؟

مما يؤسف له ويألم المسلم منه أن الأمة تحتفل في بداية كل عام هجري جديد بذكرى هجرة المصطفى- صلى الله عليه وسلم - في الوقت الذي ابتعدت الأمة للأسف ،سواء على مستوى الحكام أو المحكومين عن شريعة الله عز وجل وانحرفت عن سنة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم– إلا من رحم الله تبارك وتعالى، واختارت الأمة لنفسها من المناهج الأرضية والقوانين الوضعية ما ينقص من شأنها ويسقط من هيبتها وتركت منهج سيد البشر – صلى الله عليه وسلم– الذي فيه قوامها وشرفها، بل أصبحنا نرى اليوم الإعجاب بالغرب ونسير خلف أوروبا لمجرد الإعجاب أو لمجرد الدراسة النظرية البحتة، بعيدين كل البعد عن هذه السيرة النبوية العطرة ،التي كان من المفروض أن نحولها في حياتنا إلى منهج حياة ، وإلى واقع  يتحرك في دنيا الناس ، فنحن نسمع السيرة النبوية كثيراً عبر الإذاعات والقنوات الفضائية وربما تدرس لنا في المدارس وألسنتنا تنطق بهذه السيرة  والكبار يحدثون بها الصغار، والصغار يتكلمون بها فيما بينهم ولكن السؤال .. ماذا استفدنا من هذه السيرة ؟ ولماذا لم تجعل الأمة محمداً – صلى الله عليه وسلم – قدوة متجددة على مر الأجيال والقرون ومثلاً أعلى لكل زمان ومكان ،لأن الله تبارك وتعالى يقول في حق النبي – صلى الله عليه وسلم- :{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } (الأحزاب/21).

ولتنظر إلى الصفات الطيبة المميزة التي كرَّم الله – عز وجل – بها نبيه – صلى الله عليه وسلم– ، فقد أدبه الله – عز وجل – وربَّاه على علمه وشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وأعلى له قدره ،وزكّاه في عقله فقال تعالى : {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } النجم/2 ، وزكاه في صدقه فقال تعالى : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى } النجم/ 3 ، وزكاه في صدره فقال:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } الشرح/1 ، وزكاه في ذكره فقال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ، الشرح/4 ، وزكاه في حلمه فقال تعالى: {بالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } التوبة/128 ، وزكاه في علمه فقال تعالى : {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } النجم/5 ، وزكاه في خلقه فقال تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم/4 .

 

فنبيٌ بهذه الصفات الطيبة الطاهرة حرّيٌ بنا أن نجعله قدوة كاملة ، وأن نأخذ من سيرته منهجاً تربوياً إسلامياً كاملا على مر التاريخ كله،فإذا جئنا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم– كرجل داع إلى دين الله – عز وجل – فهو رسول يتلقى الوحي من الله سبحانه وتعالى ليربط الأرض بالسماء ،فلا شك أن هذا هو أعظم رباط وأشرف صلة وإذا جئنا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم– كرجل سياسة ، فنرى أنه كيف جمع الأمة بعد أن كانت فتاتاً متناثرة، فإذا هي بناء لا يطاوله بناء، وقاعدة صلبة لا يؤثر فيها العدو، فإذا نظرنا إلى التاريخ منذ عهد النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وإلى أزمنة متتالية متتابعة وجدنا برهان ذلك، وإذا نظرنا إلى النبي– صلى الله عليه وسلم– كرجل حرب، وجدناه كيف يضع الخطط ويقود الجيوش ،فنراه قائداً متخصصاً في القتال، فإذا صمتت الألسن وبلغت القلوب الحناجر ،وقام في الميدان ينادي بأعلى صوته :"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " ، ومع هذا كله تجده – صلى الله عليه وسلم– أباً وزوجاً ورب أسرة كبيرة تحتاج إلى نفقات وإلى التربية والتوجيه ،ولا شك بأن هذا كله ظاهر بصورة نقية في سيرته عليه الصلاة والسلام ، من أجل أن يقتدي  به الآخرون، فإذا نظرنا إلى عبادته وجدناه عابداً خاشعاً لربه كأنه لم يخلق إلا للعبادة ، وكأنه تفرغ لها، وإذا نظرنا إلى ليله وجدناه قائماً مصلياً، وإذا نظرنا إلى نهاره وجدناه مصلياً قائماً داعياً إلى الله سبحانه وتعالى، فقد جمع بين الليل والنهار في عبادة مستمرة وفي صورة عجيبة، فكل هذه العظمات وهذه الطاقات جمعها الله – عز وجل – في شخص النبي – صلى الله عليه وسلم – من أجل أن نتخذه قدوة طيبة ومثلا أعلى تسير عليه البشرية إذا أرادت لنفسها الخير والبر في الدنيا و الآخرة .

 

  • وقفة تأمل نود من فضيلتكم إطلاقها للسادة القراء نستقيها من حادثة الهجرة ؟

نقول لأخواننا وأخواتنا، قد مضى عام هجري كامل من عمر الإنسان المسلم، وهذا العام فإما يقربنا من الله – عز وجل – أو يبعدنا عن الله – عز وجل – فهل تأملنا وتدبرنا أحوالنا في هذا العام المنصرم ، وهل سألنا أنفسنا ماذا قدمنا لله – عز وجل – من الطاعة والعمل الصالح خلال عام مضى ؟

فالإنسان دائما يذكر القريب منه في الزمن ، ولا يتذكر ما بعد عنه ، فينشغل بحاضره دون ماضيه ، ولكن هل ينسى الله تبارك وتعالى ما قدمه الإنسان وما فعله خلال عام ماضي أو أعوام ماضية ؟ فالله تعالى لا ينسى .

إذن إخواني وأخواتي علينا أن نغتنم مرور السنوات والأشهر والأيام في طاعة الله – عز وجل – والاستقامة على دينه ومنهجه، وخاصة أن الهجرة بصورتها القديمة لم تعد موجودة لقول النبي – صلى الله عليه وسلم –: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " ، فقد بقيت النية الصالحة، التي هي أساس قبول العمل، فكل عمل صالح النية فيه لله – عز وجل – عمل مقبول وطيب ومبارك يحبه الله عز وجل ويرضاه وممكن للمسلم إذا أخلص في النية أن يأخذ أجر الهجرة، التي هاجر بها النبي – صلى الله عليه وسلم – قديماً إذا طبق قول النبي – صلى الله عليه وسلم - : "عبادة وقت الهرج كهجرة إليَّ "  والمراد بالهرج أي الفتن، فإذا كثرت الفتن وانتشرت الرذيلة وابتعد الناس عن الدين، فالقلة الذين يتوجهون حينئذ لعبادة الله – عز وجل – ويقبلون على الله سبحانه وتعالى ينالون أجر الصابرين وينالون ثواب الهجرة ، كما هاجر النبي – صلى الله عليه وسلم –من مكة إلى المدينة .

فعلينا أن نكثر من العبادة ومن الطاعة في وقت تخلف الناس فيه، إلا من رحم ربي ، فأبواب الخير والبر والطاعة مفتوحة، في كل ما يحبه الله – عز وجل – من الأقوال والأفعال الصالحة حتى يكتب له الهجرة كما كانت في زمن الرسول – صلى الله عليه وسلم– .

 

وفي الختام نشكر باسمكم فضيلة الشيخ الداعية /سامي سعد بلال – المرشد الديني بإدارة الثقافة الإسلامية بوزارة الأوقاف بدولة الكويت ، على هذه الوقفات حول الهجرة النبوية وما تحمله من أمل لأمتنا الإسلامية، ونسأل الله الكريم المنان أن يقيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، وأن ينصر الإسلام ويعز المسلمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام وسلم تسليماً كثيراً.

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية