موسم الحج .. وقفات وتأملات

بالأمس القريب كانت صورة الحجاج وهم يؤدون فريضة الحج رائعة، فما أحلاها من صورة، وما أجملها، فالله – عز وجل– يباهي بهم الملائكة، وقد حصَّلوا من الأجور والحسنات، ما تكفل لهم فتح صفحة جديدة مع الله – عز وجل – صورة تبرز دور الوحدة في حياة المسلمين، فكل مناسك الحج لها من الدلالات والعبرات ما يجعلها تبرزها كموسم للطاعات، وموسم لنهضة الأمة وبروزها كأمة رائدة ..

حول موسم الحج وقفات وتأملات التقينا فضيلة الشيخ / جمال هدية، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت وكان لنا معه هذا اللقاء ..

 

  • بداية فضيلة الشيخ – حفظكم الله – ماذا عن الوحدة بين المسلمين في موسم الحج وأدائهم لمناسك الحج .. وصورة المسلمين الحالية بمنظور الوحدة ؟

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الكرام وبعد ،،

فلا شك أن موسم الحج هو توسيع لأفق المسلم الذي عاش في وطنه وفي قريته الصغيرة، ففي موسم الحج يرتفع مستواه المعرفي بعالمه الإسلامي الواسع، فيلتقي إخوانه المسلمين من جميع أنحاء العالم ، حيث اختلاف الأجناس والأعراق، واختلاف اللغات والطبقات، يتسع أفقه المعرفي فيعرف أن له إخواناً في جميع أنحاء العالم ولم يلتق بهم، فمن المكاسب الكبرى التي يتحصلها الحاج من رحلة الحج الإيمانية هو شعوره بالأخوة الإسلامية الممتدة لقارات الدنيا الستة .

فالمسلم في وطنه الصغير محدود بموطنه، ولكنه في موسم الحج يجد مسلمين من شتى بقاع العالم مختلفي اللغات والأجناس واللغات ، ويجد المصري والأندلسي والماليزي والباكستاني والتركي والألباني .. إلخ  ، بل يجد القادم من أمكنة لم يسمع بها من قبل ، وكلهم متجرد من ثيابه ، رافع كفيه إلى السماء مبتهلاً ومكبراً، وغير ذلك يشعر المسلم أنه أخو المسلم، في كل مكان وأن أخوته الممتدة هذه تدفعه إلى الإتحاد ، إذ يجد أن العالم الإسلامي في جميع القارات هو عالمه الكبير، وأن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، وكالجسد الواحد إذا اشتكى عضو فيه بالمرض تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ، ولا ريب أن هذا الإحساس ينقل المسلم الحاج إلى الفضاء الفسيح حيث الأخوة في العقيدة وفي الوطن ، حتى لو كانت هناك حدود جغرافية أو سياسية ... إلخ، فقد قال تعالى { إنما المؤمنون إخوة } ، وقديماً قال الشاعر المسلم :

أبى الإسلام لا أب لي سواه  ... إذا افتخروا بقيس أو تميم

أما الناظر إلى أحوال المسلمين الآن فيجدهم في حاجه إلى فهم وفقه مضمون الأخوة والوحدة التي جمعت بينهم وخاصة في هذه العبادة الفريدة وهي عبادة الحج المبارك.

 

  • ( لبيك اللهم لبيك ..لبيك لا شريك لك لبيك) شعار يرفعه الحجاج خلال مناسك الحج .. فماذا يعني هذا الشعار في حياة المسلم سيما بعد عودته إلى حياته العادية ؟

هذا الشعار العظيم الذي يرفعه الحجاج في حجهم ، يجمع المسلمين في أشرف بقعة على ظهر الأرض في مهبط الوحي وهي الأرض التي درج عليها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتلقى فيها الرسالة ، وهذه الأرض هي أرض مكة المكرمة حفظها الله تعالى وسائر بلاد المسلمين .

فلا يستطيع قلم أن يصور الانفعال الضخم الذي يشمل الحجيج وهم يهتفون هذا الهتاف الخالد ، ولا نزاع أنه عندما تمتزج أصواتهم بالتلبية تمتزج أرواحهم بالحب ، فيتناسون أوطانهم وجنسياتهم ، ويلتقون جماعة واحدة ، تحت لواء واحد ( لا إله إلا الله .. محمد رسول الله )  وتحت كتاب واحد وإلى قبلة واحدة .

لذا يجب على الحاج بعد عودته إلى دياره التي نزح منها أن يضع باعتباره المعنى العظيم للتلبية، فيلتزم الطاعة ، ويلزم حبه لإخوانه المسلمين في كل مكان من أصقاع الأرض .

 

  • الطواف حول الكعبة .. صورة لارتباط المسلم بالكعبة المشرفة قبلة المسلمين في الأرض .. كيف ترى فضيلتكم هذه الصورة ؟

الطواف عبادة متميزة عن سائر العبادات في المناسك، والطواف يعنى الاستسلام والطاعة والطاعة لهذا الدين الحنيف، ولقد طاف جميع الأنبياء والرسل حول الكعبة المشرفة، وفي قلوبهم تعظيم لله تبارك وتعالى والخوف منه والرجاء فيه والمحبة له.

فالمسلم الذي أدَّى عبادة الطواف قد تشبه كذلك بالأنبياء وبالرسل والملائكة المقربين، الحافين حول العرش، الطائفين حوله ،ومن هنا وجب عليه أن يكون مشحوناً بنور الإيمان الذي اكتسبه من الطواف حول الكعبة ، والذي بدوره له تأثير فعَّال في حياته بعد عودته من هذه الرحلة النورانية ، فالمسلم مرتبط بهذه القيم ارتباطاً وثيقاً ، وهذا يعني أنه متميز ومتفرد في عبادته عن سائر العبادات الأخرى التي يدين بها غير المسلم ، ومن هنا وجب عليه أن يجعل فقه الطواف من أولوياته وهو يتعامل مع إخوانه المسلمين في بناء مجتمعه الإسلامي والدفاع عنه .

ومن هنا نؤكد على أهمية الالتزام بالمنهج الإسلامي عقيدة وعملاً وسلوكاً من قبل الحجاج ، فلا يصح مثلاً أن يكون المسلم قد ارتبط بقبلة أبيه إبراهيم (عليه السلام) ، وفي نفس الوقت يدعي أن يعتنق الشيوعية والرأسمالية ، فيقول مثلاً أنا مسلم شيوعي أو رأسمالي ، فقد قال تعالى : { هو سماكم المسلمين }.

 

  • السعي بين الصفا والمروة ، والجري بين الميلين الأخضرين في حياة السيدة هاجر ، صورة للأمل المنشود في حياة الأمة .. وعدم التقاعس عن بذل الجهد لبلوغ الأمل المنشود في حياة الأمة كأمة رائدة ومؤثرة .. كيف ذلك ؟

لنا أن نقول عن أمتنا الإسلامية إنها أمة الأمل، فمنذ مهبط الوحي على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – في غار حراء ، هبط عليه بالأمل المنشود وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، هبط عليه بالأمل الذي يتسم بالتقدم والرقي في كل مناحي الحياة، ولا شك أن قصة السيدة هاجر وهي تسعى بين الصفا والمروة وتجري بين الميلين الأخضرين هي صورة للأمل المنشود في حياة هذه الأمة، قال الله تبارك وتعالى :{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم } .

فالسعي بين الصفا والمروة يعني التشبه بالسيدة هاجر في البحث عن الأمل الذي كان بعيداً ، لكنها تميزت بالإرادة وعدم التقاعس عن بذل الجهد لبلوغ هذا الأمل ومن هنا وجب علينا أن نقرأ ونبحث عن المشروع الحضاري الإسلامي ، الذي هو في حقيقة الأمر أمل العالم المنشود ، وخاصة بعد سقوط الصنم الشيوعي ، وتدهور أحوال القطب الأوحد ، وظهور بعض الحضارات القائمة على القيم المادية وحدها ، فالعالم في أمس الحاجة إلى هذا المشروع القائم على الإيمان بالله تعالى ، ومما يدعم هذا المشروع الحضاري كونه له رصيدٌ ثقافي وتاريخ حضاري وموقع جغرافي وتجانس بشري ومواد خام وثروة بشرية ، ورسالة سماوية إنسانية وخطاب عالمي يؤهلهم للخروج من تبعية قطب من الأقطاب المعاصرة ، وخاصة بعد أن أصبح العالم دولة واحدة، أو قرية إليكترونية واحدة ، كما يقول علماء الاتصال والإعلام . 

 

  • الحج موسم للتوبة والخلاص من الذنوب، والتقصير في جنب الله – عز وجل- والأمة وما لها من واجبات على المسلم .. كيف ذلك ؟

لا شك أنه من أهم الإيجابيات التي حصل عليها الحاج من هذه الرحلة المباركة التوبة من الذنوب والأوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، فالحاج قد تخلص من ذنوبه قبل أن يحج، فقد أدى الأمانات إلى أهلها ، وتحلل من التبعات وانطلق وهو يعلن أنه انفرد بالله تعالى، انطلق إلى الله وهو يقول : لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك، فألزمُ واجبات الحاج تجاه نفسه وأمته أن يظلَّ على العهد مع الله ، يصلح نفسه ويقوم بما عليه تجاه أمته الإسلامية { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللّهِ } يساعد على تقدمها وحضارتها؛ كي تكون هذه الأمة هي الأمة الرائدة.

 

  • وفي الختام فضيلة الشيخ - حفظكم الله - كلمة للحاج بعد عودته، وكذلك لمن لم يُكتبْ له الحج هذا العام ؟

أقول لإخواني الحجيج بعد عودتهم حج مبرور وذنب مغفور وتجارة لن تبور إن شاء الله تعالى، فيجب عليكم خاصة بعد أن تعايشتم مع هذه الرحلة النورانية وتمتعتم بالطواف والسعي والشرب من ماء زمزم ، والمبيت بمنى والوقوف بعرفة ، وتمتعتم بسمة فريدة وهي الاتصال المباشر بمهبط الوحي ، على ظهر هذه الأراضي المقدسة، أوصيكم بالانطلاق في هذه الحياة، بعد هذا الفهم الراقي الذي تميزتم به وأنتم تؤدون هذا المنسك العظيم .

أما الذي لم يكتب له الحج هذا العام، نقول له :اجتهد كي تكون من أهل الحج العام القادم إن شاء الله تعالى فاحرص على الكسب الحلال وعلى أداء الأمانات إلى أهلها ، واحرص على أن تتهيأ روحياً لاستقبال أنوار وضياء وكرامات الله تبارك وتعالى وأنت تلتحم بهذه الأماكن المقدسة العظيمة المباركة واحذر أن تترك هذه الفريضة ، طالما كنت مستطيعاً بدنياً ومادياً ، فالله تبارك وتعالى يقول:{ ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين } .

 وأخيراً أشكر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت على هذا الجهد الإعلامي المتميز من خلال هذا الموقع الموقر، الذي يدل دلالة واضحة على مواكبة الأحداث والمواقف والمستجدات والمناسبات في حياة المسلمين.

 

وفي الختام نشكر باسمكم فضيلة الشيخ/ جمال هدية، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، على هذه الوقفات حول موسم الحج .. وتأملاته، والعبرات التي نستخلصها من هذا الموسم العظيم ، ونسأل الله الكريم أن يرزقنا حجاً مبرواً وذنباً مغفوراً، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً .

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت