موسم الحج هو موسم الطاعات وغفران الذنوب، وهو مدرسة ربانية يدخل فيه العبد المسلم وقد لا تكون أخلاقه على غير مراد الله ورسوله، فيخضع لعملية تأهيل وتدريب، فيخرج وقد جاء بأخلاق لم يكن عليها ،أو زكت أخلاقه وارتقت أفعاله، فكانت وفق مراد الله ورسوله، حول موسم الحج، كمدرسة للتربية والتزكية..التقينا فضيلة الشيخ/ أحمد عبد المنعم عيد، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت وكان لنا معه هذا الحوار ..
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الكرام وبعد ،
أرحب بداية بموقعكم العامر موقع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية على شبكة الإنترنت، فهو من النوافذ الدعوية المهمة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أما عن فريضة الحج، فالحج لغة هو القصد، واصطلاحاً هو قصد بيت الله الحرام في أشهر الحج لأداء النسك ،فقال الجرجاني : هو قصد بيت الله تعالى بصفة مخصوصة في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة، والحج أحد أركان الإسلام الخمسة، كما ورد ذلك عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً .
والحج من أفضل الأعمال في الإسلام ، فقد سئل رسول الله – صلى الله عليه سلم - :أي الأعمال أفضل فقال – صلى الله عليه وسلم – : أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيله، ثم حج مبرور " متفق عليه، وهو جهاد المرأة والضعيف والكبير ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج المبرور .
والحج من المكفرات للذنوب والماحية لها بأمر الله سبحانه وتعالى ، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة "أخرجه البخاري .
قال الإمام الغزالي رحمه الله كلاماً بديعاً عن فضل الحج ومكانته في الإسلام فقال : " إن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين " .
بكل تأكيد فإن الدافع الأساسي وراء ذلك هو ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى والطمع في جنته ، وهناك دافع آخر هو سلطان الشوق وثورة الفوائد التي تعود على صاحب هذه الرحلة ، فقد قال سيدنا إبراهيم – عليه السلام – عندما دعا ربه : " {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }إبراهيم /37 ، فالخليل إبراهيم – عليه السلام – طلب من ربه فقال : " فاجعل أفئدة" ولم يقل :" فاجعل الناس " فهي استجابة لاندفاع قلبي أصابته دعوة الخليل إبراهيم في سويدائه ، فإذا أمر القلب أطاعت الجوارح .
نستطيع أن نقول إن جميع أركان الإسلام، بل كل ما أمر الله تعالى به لعلة ،وهذه العلة يدركها من فتح الله له ويغفل عنها آخرون ، وإن لم يجد الجميع علةً لذلك فهناك علة أخرى وهي مطلق التعبد والحج له مقصد عظيم وهو تزكية النفس التي يكون عليها فلاح العبد من عدمه ،قال تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }الشمس 9 ،10 ، أضف إلى ذلك زرع القيم والمبادئ في نفوس الحجيج .
تتحقق تزكية النفوس من خلال رحلة الحج ، ومن خلال غيرها من العبادات والطاعات التي أمر بها المولى تبارك وتعالى، وكذلك النواهي التي نهانا عنها وأمرنا باجتنابها كما قال المفسرون "ويزكيهم " أي يطهرهم من خلال طاعاته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه .
فالصلاة مثلا تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي من أنجع الوسائل المصلحة لنفس الإنسان ، والزكاة لابدَّ أن يتحلى صاحبها بالآداب والتواضع وإنكار الذات في لحظة البذل والعطاء ،فإن لم يفعل ذلك بطلت صدقته .
ويخبر ربنا أن القيم السليمة أقرب إلى الله تعالى من صدقات قاربت الجبال ،ولكن صاحبها لم يتحل بالآداب والأخلاق ولم يلتزم القيم الطيبة قال تعالى : {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ }البقرة /263 .
أما الصوم ، فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رب صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ، ونهي الصائم عن أن يتندى بنفسه سفاهة مع من سفه عليه أو تطاول ويكفيه في الرد على السفيه " إن صائم " .
إذا أراد العبد المسلم أن يربح من خلال هذه المدرسة التربوية العظيمة،من خلال أدائه لمناسك الحج فعليه أن يدرب نفسه على بعض القيم التي يستقيها من تدبره لها ، فالحج عبارة عن مدرسة تزرع فيها القيم التربوية ،التي يحيا عليها وبها الإنسان مرضياً لربه ومن تلك القيم :
1 – تحمل المسئولية ،فالحاج لا يجوز له الحج إلا إذا كان مستطيعاً ،والاستطاعة زاد وراحلة وطريق آمنة ،بالإضافة إلى قوته وقوت من يعول فترة حجه ،فهذا التزام أدبي وديني من الحاج تجاه من يعول ،وإذا كان الله – عز وجل - لا يريد عبادة عبده إن عرض من يعول للخطر فمن باب أولى عليه ترك كل لهو ،وكل فعل يشغله عن أسرته التي استرعاه الله عليها .
2 – الطاعة، وهي من القيم التي يستخلصها الحاج من حجه، وكذلك امتثال أمر الله ،والتأدب مع الله ورسوله ،فهو يطوف سبعاً ويسعى سبعاً ولا يحق أن يزيد من ذلك شيئاً ولا ينقص ،والحاج يقبل حجراً وفي موضع آخر يرمي حجراً لم ؟ طاعة لله ورسوله القائل عليه الصلاة والسلام : "خذوا عني مناسككم " .
3- قيمة التسامح ،وهي قيمة عظيمة لو طبقها مجتمع لكان مجتمعاً فاضلاً ،والتسامح والعفو ولين الجانب للمسلمين ضرورة حياتية للمسلمين ،فالآية التي أوجب الله – عز وجل – فيها الحج ،لم يذكر فيها أحكام الحج ،وإنما ذكر الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يكون عليها المسلم ،قال تعالى :" {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }البقرة 197 ، فالمعنى أن من أصابته دعوة إبراهيم ،عليه السلام أسمى من أن يكون الجدال والفسوق من طباعه .
4 – ومن القيم أيضاً :التعود على مخالفة الشهوات ،فالإنسان في حجه يمتنع عن زوجه وهي حلاله ،طاعة لله ،فإذا استطاع الإنسان أن يترك الحلال طاعة لله ،فمن باب أولى أن يكون أقدر على ترك ما حرم الله إرضاءً لله سبحانه وتعالى .
فهذه بعض القيم التي لو اكتسبها العبد الحاج واستطاع أن يعود نفسه عليها بعد الرجوع من الحج ،كان حجه مبروراً وذنبه مغفوراً ،والجزاء أوفى من العمل، كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الحج وثوابه :" الحج المبرور ليس له جزاءُ إلا الجنة " .
فخلاصة الأمر إن الحج عبارة عن سياج آمن ضد الشهوات، ودافع قوي لكل الشهوات " .