الليالي العشر .. ليالي العمر

العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك تحمل لدى المسلمين نفحات ربانية عظيمة، فيها ليلة خير من ألف شهر من الأعمال الصالحات، لو أصلح المسلم استغلالها، وأحسن إقامتها، فيها القيام والتهجد والاعتكاف...

يسعدنا أن يكون معنا في هذا اللقاء فضيلة الشيخ الداعية /سامي سعد بلال، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف الكويتية، وكبير اختصاصي الدراسات الإسلامية، حول الليالي العشر من شهر رمضان المبارك، وما بها من فيوضات ربانية تحمل الإنسان المسلم وتقربه نحو جنة الله عزوجل ..

 

  • بداية فضيلة الشيخ ماذا عن العشر الأواخر من شهر رمضان  ؟

 العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك هي آخر أيام رمضان والمسلم دائماً يهتم بأواخر العمل الصالح ،لذلك ترى النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يكثر من الدعاء في هذه الأيام، ويجتهد اجتهاداً بليغاً في العبادة، حتى جاءت الأخبار والنصوص بقول السيدة عائشة – رضي الله عنها – تقول : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشدَّ المئزر" ، فأحيا ليله بالقيام والصلاة ،وأيقظ أهله هذا تنبيه للآباء وأولياء الأمور وكل صاحب رعية، فكل راع مسئول عن رعيته، فلا يذهب إلى المسجد ويترك رعيته (الزوجة أو الأولاد ) كسالى أو يتسكعون في الأسواق أو الشباب يضايقون النساء في الأسواق أو يتابعون القنوات الفضائية السيئة، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يعطينا درساً في أن يكون الأب والأم رعاة مسئولين عن أولادهم وبناتهم ، وعندما تقول السيدة عائشة في الحديث " أيقظ أهله وجدَّ" أي جدَّ في العبادة ، وشدَّ المئزر كناية عن ترك الجماع والبعد عن الشهوات والملذات مع أنها حلال ومشروعة، في حال كونها مع الزوجة، وما جعل النبي – صلى الله عليه وسلم- يعطي اهتماماً بالعشر الأواخر أن فيها ليلة مشهورة ومعروفة وهي ليلة القدر ، وهي أعظم ليالي السنة والعام كله على الإطلاق، عند الله – عز وجل - ، سميت ليلة لأنها من الليل ولا تكون في النهار، وسميت بالقدر على معنيين :إما القدر بمعنى المنزلة العالية ، أو من القضاء والقدر لأن الله – عز وجل – يأمر الملائكة بتصريف أعمال العباد وفيها جريان الأقدار من عام إلى عام وهذه أوامر تأتي من الله عز وجل للملائكة في ليلة القدر ، ولا مانع من شمول المعنيين، فإن ليلة القدر لها مكانة وشأن عظيم عند الله – عزو جل- وعند المؤمنين، وكذلك من أجل كتابة القضاء والقدر .

 

  • وهل من فضائل أخرى لليلة القدر ؟

 في فضل هذه الليلة يقول الله – عز وجل : " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ{2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ{3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ{4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ{5} ، إنا أنزلناه أي القرآن الكريم، إذن فمن خصائص هذه الليلة المباركة أنها ليلة نزول القرآن الكريم وكفاها فخراً بهذا ، وهذه الليلة نزل فيها جبريل – عليه السلام – على النبي – صلى الله عليه وسلم – ، والعمل الصالح في ليلة القدر عند الله – عز وجل – أفضل من عبادة ثلاث وثمانين سنة وزيادة عدة أشهر، فلو تصورنا أن إنساناً منذ أن وُلِدَ ونزل من بطن أمه إلى أن مات وعمره أكثر من ثلاث وثمانين سنة، وهو في عبادة دائمة بدون توقف ولا نوم ولا استراحة ولا طعام ولا شراب، فلو افترضنا أن واحداً عمره هكذا ورغم ذلك تكون هذه الليلة إذا قبلت كانت عند الله – عز وجل- أفضل من عبادة هذه السنوات الطوال من العبادة المتواصلة ، وهذه الليلة تنزل الملائكة فيها وهذا السبب في رؤيتنا السماء صافية وبها نور، وفي فضل هذه الليلة يقول النبي – صلى الله عليه وسلم - : من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدر من ذنبه " إيماناً  أي مؤمناً بأن الله – عز وجل- هو الذي شرع هذا القيام ، واحتساباً أي طلباً للثواب والأجر كان ذلك مدعاة لغفران الذنوب ، ويكون ذلك لصغائر الذنوب أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة النصوح ، ويقول – صلى الله عليه وسلم– أيضاً: من حرم خيرها فقد حرم الخير كله، إضافة لفضلها كما قلنا إنها خير من ألف شهر كما قال الله – عز وجل- لذلك نقول إن هذه الليالي هي ليالي العمر ، كما يقال في حياتنا الدنيا إذا فات الإنسان شيء يقال له فاتك عمرك أو نصف عمرك .

 

  • وهل العمل الصالح محصور فقط في صلاة القيام والتهجد في هذه الأيام ؟

 العمل الصالح في ليلة القدر ليس محصوراً فقط في القيام والصلاة ، فترى الناس تحصرها في الصلاة وفقط، فتجد المساجد تمتلئ بالناس والصفوف تتكاتف وتتكاثف وتسد الطرقات بالسيارات، وهذا شيء جميل وطيب لا شك فيه على حرص الناس على هذا العمل من صلاة القيام والتهجد، ولكن ليست الأعمال الصالحة في العشر الأواخر محصورة في الصلاة فقط ، ولكنَّها تتعدى ذلك إلى الأعمال الصالحة الأخرى من قراءة القرآن وصلة الأرحام وإخراج الزكاة ، والتصدق على الفقراء والمساكين، وكثرة الدعاء ،وكذلك التوبة والاستغفار ، والعفو عمن ظلم أو يحسّن أخلاقه مع الآخرين ، وإذا وقعت مظلمة صفح عن إخوانه، وغيرها من الأعمال الصالحة الأخرى ، فالمقصود أنها ليلة يقبل فيها الإنسان على كل عمل صالح يخطر على باله ويبتعد عن كل الآثام والمعاصي التي كان يفعلها قبل القيام ،ويتوب إلى الله توبة نصوحاً بحيث يكون الإنسان قد فهم وعرف قدر ليلة القدر واستغلها بالعمل الصالح، وقد أقبل على الله واستشعر أنه في ليلة ذات قدر عظيم ولا يكتفي فقط بصلاة القيام بل يكثر من كل الأعمال الصالحة الأخرى .

 

  • فضيلة الشيخ .. سؤال يطرح نفسه ، متى تكون ليلة القدر  ؟

 ليلة القدر أمرنا النبي – صلى الله عليه وسلم - أن نتحراها في العشر الأواخر من رمضان المبارك، فقد قال – صلى الله عليه وسلم– :" تحروها في العشر الأواخر من رمضان"، أي ليلة القدر ثم قال – صلى الله عليه وسلم–: " التمسوها في الليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان، يعني ليلة أحد عشر وثلاثة عشر وهكذا ، وليست في الليالي الشفع أو نقول الليالي الفردية وليست الليالي الزوجية .

وعندما نرى اختلاف المطالع البلاد ، فنجد الشهر قد بدأ في بلد ولم يبدأ في بلد آخر، نقول في ذلك على المسلم أن يجتهد في الأيام العشر كلها لعله يصيب ليلة القدر في إحدى الليالي فتكون معه الأيام الفردية وكذلك الأيام الزوجية، فإذا لم تصب في ليلة لعله يصيب في ليلة أخرى ويكتب الأجر والمثوبة من الله عز وجل .

وقد ذكر الحافظ بن حجر العسقلاني في كتابه ( فتح الباري شرح صحيح البخاري) إن العلماء على اختلاف في كون ليلة القدر تكون في ليلة السابع والعشرين أم أنها تنتقل من ليلة إلى أخرى، فذكر بعض العلماء أنها ثابتة في ليلة السابع والعشرين، والبعض الآخر على أنها تنتقل، فتارة في ليلة الحادي والعشرين وتارة على أنها في ليلة الثالث والعشرين وهكذا ... والصحيح أنها تنتقل من ليلة إلى ليلة أخرى بأمر الله – عز وجل - ، وذلك حتى يجتهد الناس في العشر الأواخر من رمضان ولا يجعلون ليلة القدر في ليلة واحدة، ويدل على ذلك أن ليلة القدر وقعت مرة في حياة النبي – صلى الله عليه وسلم- في ليلة إحدى وعشرين ، ولم تقع في السابع والعشرين ، لذلك علينا أن نجتهد في العشر الأواخر من رمضان كلها .

 

  • وهل من علامات لكون هذه الليلة ليلة القدر ؟ بمعنى ماذا عن أمارات وعلامات ليلة القدر ؟

 هناك علامات ذكرها النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما قال: ليلة القدر ليلة بلجة، يعني مشرقة مسفرة فيها نور، لعله بسبب نزول الملائكة، كما ذكرت ، ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم- " لا حارة ولا باردة، الجو فيها يكون معتدل ووسط ، ولا يرمى فيها بنجم  ،والمقصود بالنجم الشهاب، لذلك نرى أحياناً في الليالي الأخرى في السماء مثل المفرقعات ، التي تسقط من أعلى ثم تختفي، هذه هي الشهب يرمي بها الله – عز وجل – الشياطين في هذه الليالي، لكن في ليلة القدر لا يرمى بنجم أي لا نرى في السماء أي شيء من هذه الشهب .

ومن العلامات أي الصفة الرابعة لليلة القدر ،أن تخرج الشمس في صبيحتها بيضاء ، لا شعاع لها، ففي الصباح تخرج الشمس بيضاء نقية ناصعة البياض من غير اصفرار ولا شعاع ،عكس صبيحة كل يوم تكون صفراء وحولها شعاع متوهج من الصعب أن ينظر الإنسان إليها،فإذا رأى الإنسان العلامة للشمس علم أن الليلة الفائتة كانت ليلة القدر .

 

  • وإذا كان في المسلم في هذه الليالي .. هل من أدعية مخصوصة يقولها ؟

 قالت السيدة عائشة – رضي الله عنها – في هذا الشأن :" يا رسول الله:رأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها ؟ فقال – صلى الله عليه وسلم– :" قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"  يعني يكثر من الدعاء وخاصة هذا الذكر المختصر الذي حمل كل المعاني التي يحتاج إليها الإنسان كل يوم، وهذا من جوامع الكلم والدعوات التي أعطاها الله – عز وجل- للنبي – صلى الله عليه وسلم– ، فما من معنى يخطر على بال المسلم من خيري الدنيا والآخرة يحتاج إليه إلا وهو موجود في هذا الدعاء ، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا ، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – أوتي جوامع الكلم ، وهذا فيه كل ما يحتاجه الإنسان مع بقية الأدعية بكل تأكيد .

 

في الختام نشكر باسمكم فضيلة الشيخ الداعية /سامي سعد بلال إمام وخطيب بوزارة الأوقاف الكويتية ، وكبير اختصاصي الدراسات إسلامية ، على هذه الوقفات حول الليالي العشر من شهر رمضان المبارك وخاصة ليلة القدر .. ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يبلغنا ليلة القدر وأن يجعلنا ممن أصابتهم بخيرها وبركتها وأن يجعلنا من عتقائه من النار في الشهر ومن المقبولين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام وسلم تسليماً كثيراً.

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت