البوابة الاسلامية :: حاجتنا إلى نظرة أدبية إسلامية
Skip Ribbon Commands
Skip to main content
 
حاجتنا إلى نظرة أدبية إسلامية

كان في العالم الذي نحيا فيه تياران اجتماعيان يسعى كل منهما جاهاً لبسط نفوذه على المعمورة ومقاومة نفوذ التيار الأخر, هذان التياران هما تيار الاشتراكية الذي كان يرفع لواءه الإتحاد السوفيتي السابق والصين الشعبية.

وتيار الرأسمالية الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية.

ثم يأتي بعد هذين التيارين الاجتماعيين الكبيرين طائفة من الاتجاهات الفكرية والفلسفية والأدبية ظهرت في أوروبا وأمريكا أكثر من ظهورها في الاتحاد السوفيتي لما يتمتع به الفرد هنا من حريات حرم منها مواطنو الاتحاد السوفيتي.

وأبرز هذه الاتجاهات الفكرية هي: الوجودية, Existentialism والطبيعية Naturalism والواقعيةRealism  والفنية Arabism والرمزية Symbolism.

ولقد عمدت هذه الاتجاهات الاجتماعية والفكرية إلى الأدب فاتخذت منه سلاحاً تناضل به عن نفسها, ومنبراً تعلن من فوقه مبادئها وأهدافها, ومثالاُ تصوغ على غراره أبناءها ومؤيديها حتى قال "ستالين" عن الأدباء "أنهم مهندسو البشرية".

ولم يكن هؤلاء وهؤلاء على خطأ فيما ذهبوا إليه من اعتمادهم على الأدب في نشر مبادئهم والترويج لمذاهبهم, فللكلمة سحرها الذي لا يقاوم وللأدب قدرته التي لا تدفع على غزو النفوس, والتأثير في العقول, وصياغة الوجدانات, وتوجيه السلوك.

ألم يعتمد الإسلام من قبل على الكلمة في إيصال دعوته إلى القلوب وغرسها في الأفئدة؟

ألم تكن معجزة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه بيانية؟

ألم يسلم عدداً كبيراً من أشداء العرب بفعل القرآن وقدرته الفذة على استلانة القلوب القاسية؟

ألم يصف الله عز وجل الكلمة الطيبة في محكم كتابه بقوله: "ألم تر كيف ضرب الله كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها, ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون؟"

وقد كان من ثمرة هذه التيارات الاجتماعية والمذاهب الفكرية ظهور طائفة من المذاهب الأدبية ذوات الأصل المؤصلة والقواعد المقررة.

ونحن لو أمعنا النظر في هذه التيارات الاجتماعية والمذاهب الفكرية لوجدناها جميعاً قد انبثقت عن نظرة أصحابها إلى الإنسان والحياة, فدعة الرأسمالية وأغلب زعماء الاتجاهات الفكرية القائمة في أوروبا الغربية وأمريكا يدينون بفردية الإنسان وحريته التي تمتد إلى حد الحيف على الآخرين, ويطلقون له العنان إطلاقاً لا تحرج فيه ولا تأثم, ويتيحون أن يتصرف في أمواله تصرفاً ربما أدي إلى استغلال الآخرين وإعناتهم, ويفتحون له الأبواب ليلج منها إلى الثراء الفاحش الذي يفسد العلاقة بين الناس, ويشيع فيهم العداوة والبغضاء.

ويرون أن ذلك حق من حقوق الإنسان, وتعبير عن ذاته, وتأكيد لوجوده.

والاشتراكيون على النقيض من ذلك, فهم يدينون بجماعية الفرد, وأنه ذرة صغيرة في كون كبير, ويرون أن من حق الجماعة الممثلة في الحزب والدولة أن تفرض سلطانها على الأفراد إلى حد يمكنها من أن تحدد لكل منهم عمله ورزقه, وتفرض عليه أفكاره وطريقة نظرته إلى الحياة.

ولسنا الآن في بصدد مناقشة هذه النظرات إلى الإنسان والحياة فهي- جميعها في نظرنا معشر المسلمين- خاطئة ومخالفة لسنن الحياة وفطرة الإنسان.

ولكننا نريد أن نتساءل عن الملايين الذين ينتشرون على أوسع رقعة على المعمورة تمتد من المحيط الأطلسي غرباً على الهند شرقاً ويدينون بالإسلام, ويؤمنون بنظرته الربانية إلى الإنسان والكون والحياة ما سأنهم في هذا المضمار؟ وما المذهب الأدبي الذي ينتمون إليه؟

أليس من حقهم أن يكون لهم مذهب أدبي متميز القسمات, واضح الغايات, ليعبر عن نظرتهم إلى الإنسان والكون, ويوضح عقيدتهم في خالقهما, ويحدد موقفهم من الدنيا والآخرة, وليتخذوا منه وسيلة لنشر دعوتهم في الآفاق ويقدموا من خلاله للإنسانية بعامة ولأجيالهم المؤمنة بخاصة أدباً نافعاً ممتعاً فتشتعل نفوسهم بما فيه من حرارة الإيمان, وتغذي عقولهم بما حفل به من فكر نير, وتوجيه خير, وينصرفون بروعته وجماله ونقائه وسامي توجيهه عن هذا الأدب التافه الذي تقذف به المطابع في كل صباح.

إننا معشر المسلمين بحاجة اليوم –أكثر من أي يوم مضى- إلى منهج لأدبنا الإسلامي المنشود, ذلك لأننا نتعرض في هذا العصر لغزو فكري ووجداني وحضاري ما عرفنا له نظيراً من قبل.

والأدب الأصيل الهادف من أمضى أسلحتنا لمقاومة هذا الغزو, والوقوف في وجه تياره الجارف.

إن الحركات الإسلامية المعاصرة قد أسدت للإسلام والمسلمين يداً مذكورةً مشكورة, فهي إذا كانت لم تحق لنفسها كسباً سياسياً في مجال الحكم, فقد استطاعت أن تحقق للمسلمين كسباً فكرياً في مجال توضيح أصول الإسلام وتوضيح مواقفه من كثير من القضايا المعاصرة, والكشف عن قدرته على استيعاب الحياة المتطورة المتجددة, والتصدي لخصومه المنتشرين في كل مكان.

لكن هذه الحركات نسيت أو تناست أن الدعوة إلى الله لا تقتصر على البحوث العلمية, والدراسات المنهجية, والحجج المنطقية وحدها, وإنما هي بحاجه أيضاً أن تقدم مبادئها للناس في حلل من الأدب الرفيع الذي تلده النفوس, وتشاقه القلوب, وتقبل عليه إقبال الظماء على الماء البرود في اليوم القائظ.

وهو أمر فطن إليه أسلافنا الكرام وسلاح أحسنوا استخدامه...يحدثنا التاريخ كيف استعمل المسلمون هذا السلاح في ساعات الشدة أحكم استعمال وأذكاه وأبعده تأثيراً في النفوس.

ففي القادسية –مثلاً- جمع سعد بن أبي وقاص القرّاء وذوي الرأي وأصحاب النجدة والمروءة, ولكنه لم يقتصر علىهم وحدهم وإنما جمع معهم الشعراء والخطباء أيضاً, وكان في جملة الشعراء: الشماخ, والحطيئة, وأوس بن معزاء, وعبدة بن الطيب, ودفع بهم إلى ساحات القتال, وقال لهم قبل أن يرسلهم: "انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق لهم عند مواطن البأس... إنكم شعراء العرب وخطبائهم وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم فسيروا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال, فساروا فيهم"

وتتابع الخطباء والشعراء على كتائب المسلمون يلهبون المشاعر, ويثيرون الحفائظ, ويشدون العزائم.

وتوجّ سعد تلك الحملة الأدبية الرائعة بأن أمر أحد القراء بأن يقرأ في الناس سورة الجهاد (وكان المسلمون كلهم يتعلمونها) فقرأها على الكتيبة التي تليه, فقرئت في كل كتيبة, فهشت قلوب الناس وعيونهم, وعرفوا السكينة مع قراءتها.

وفي عهد النبوة المبارك استخدم النبي صلوات الله وسلامة عليه الأدب في انتصار للإسلام وشرعته, والذود عن المسلمين ونبيهم, والإشادة بالانتصارات, والتخفيف من وقع الهزيمة.

وقد كان الفنان الأدبيان المعروفان لدى أسلافنا هما الشعر والخطابة فاستخدموهما أحكم استخدام.

وإني على يقين لو أنهم عرفوا هذه الفنون الجديدة المستحدثة لانتفعوا بها في بث دعوتهم على أوسع نطاق.

ومن سوء الحظ أن أدباءنا الإسلاميين في العصر الحديث قد تخلوا لغيرهم عن الفنون الأدبية الحديثة, وانصرفوا على قرض الشعر وكتابة المقالات, وإعداد البحوث ظناً منهم أن بين الدين وبين القصة والمسرحية جفوة تصل على حد القطيعة.

وقد غفل أدبائنا عن أن القرآن الكريم استخدم الفن القصصي لتحقيق مقاصده السامية أو في استخدام, واعتمده وسيلة ناجحة للإرشاد والتوجيه والعظة والعبرة.

لقد كان جديراً بأدبائنا الإسلاميين أن ينتزعوا هذا الفن القصصي لصلتهم الوثقى بالقرآن, ووقوفهم الدائم على ما قدمه من نماذج رائعة للقصة.

ولا يعلم إلا الله مدى النكبة التي حلّت بالأدب الإسلامي من جراء هذا التخلي, ولا مبلغ الخسارة التي لحقت بالمسلمين بسبب ذلك.

لقد غصب مكتباتنا الخاصة والعامة خلال النصف الثاني من هذا القرن بآلاف القصص الموضوعة, والترجمة, وأقبل عليها أبنائنا وبناتنا إقبالاً فاق كل تقدير, وغبوا من سمومها وموبيقاتها الشيء الكثير, ففسدت أخلاق كثير كنهم, وتزعزع إيمانهم, واتجهوا اتجاهات تسر العدو العدوّ وتحزن الصديق.

لقد أن الأوان أن لأن نرجع على أنفسنا, ونجند طاقات شبابنا الموهوبين لاقتحام هذه الساحة, فما يزال فيها حتى اليوم موطئ لأقدامنا وما تزال بين جماهير القراء أفئدة تهفو للأدب النظيف.

إن علينا, على مفكرينا, على مؤسساتنا العلمية والأدبية, على أدبائنا الذين يغارون على الإسلام وأبنائه أن ندرك أننا إذا لم نلبي حاجات النفوس المؤمنة على أدب نظيف يغذي إيمانها ويزكي فطرها, فلا بد من أن تبحث لنفسها عن أدب آخر قد تجده عند فلان أو فلان ممن ملأوا الدنيا بالآثار التي تفسد الفطرة السليمة, وتقوض الأخلاق الكريم, وتعمل على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.

إن إقبال جماهير القراء علي الفنون الأدبية الحديثة وخاصة القصة أو الأقصوصة أو المسرحية يجب أن يفتح أعيننا على هذا السلاح الخطير الذي يتسلح به الشر ليثبت قدميه في حياة أمتنا وأن يحفزنا لأن ننتزع منه هذا السلاح وأن نضعه في الأيدي الخيّرة القادرة على استعماله في سبل الخير والبر والإحسان.

ولقد سمعنا أكثر من دعوه أطلقت على المنابر لمقاطعة المجلات الخليعة, والقصص الفاجرة, ولكن هؤلاء الدعاة قد غفلوا أن تلك الشرور لا تقاوم بخطبة يلقونها على المنابر, أو صرخة استنكار يطلقونها في المحافل وإنما تتم بالعمل الإيجابي البناء, فلأن توقد شمعة واحدة خير لك من أن تسب الظلام ألف مرة.

 وإن كنا نريد التصدي لهذا الغزو الهائل من الفنون المنحرفة المدمرة التي تشيع الإباحية والانحلال بين الناس فلا يكون ذلك باستنكارها أو الإعراض عنها, ولا يتحقق بالصراخ والعويل –كما يقول الدكتور نبيل الكيلاني- وإنما يكون بالعمل الإيجابي البناء وذلك بأن نواجه الأدب الذي نريده بالأدب الذي لا نريده.

بكلمة موجزة لابد لنا من أن نقدم للناس البديل, ولنكن على ثقة بأن هذا البديل الخير الطيب الأصيل سيلقى من أكثر الناس القبول والإقبال, لأن الناس ميالون بفطرهم إلى الخير مؤثرون له, ونحن حين ندعو إلى أدب إسلامي بعيد عن روح العصر ويعالج قضايا المسلم المعاصر, ويصور أشواقه لا نريد أن نولي ظهورنا لأدبنا الإسلامي القديم وإنما نريد أن نستمد منه, ونبني عليه, وأن نصل حاضر هذا الأدب بماضيه.

ومن الحق علينا أن نقرر أن أدينا الإسلامي القديم قد أدي رسالته في الماضي أداءً يثير الإعجاب, فلقد وقف منذ فجر الإسلام سنداً للدعوة, وظل على مر التاريخ يواجه الأوضاع الفاسدة, ويتصدى للفرق الزائغة, ويخلص النصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين.

ولقد أرتبط الأدب الإسلامي في كل زمان مع قضايا عصره وتلاحم معها تلاحماً مثيراً للدهشة, فلقد تصدى للزندقة والزنادقة, ووقف في محنة خلق القرآن موقفاً صلباً كريماً وقال فيها كلمته التي يجب أن تقال, ومجد البطولات الإسلامية, ونوه بالأبطال والمواقف.

فلما غزا المسلمون ديار المسلمين هب هذا الأدب يثير العزائم ويضممممم الجراح, ويهنئ المسلمين بالنصر إذا انتصروا, ويخفف من آثار هزيمتهم إذا انهزموا ويدعوا إلى مواصله الكفاح ويحث عليه ويرغب فيه.

ولم يكن موقفه من غزو التتار بأقل من موقفه من الغزو الصليبي. وإذا كان أدبنا الإسلامي القديم قد عبر بكفاية عن عصوره ومشكلاتها وقضاياها وناسها, فمن الخطأ أن نطلب منها لتعبير عن عصرنا ومشكلاتنا وقضايانا وناسنا...

إنه ليس من المنطق في شيء أن نطلب من أدبنا الإسلامي القديم أن يعالج أوضاعنا الحاضرة, وإن في هذا الطلب تعسفاً يشبه تعسفنا فيما لو طلبنا من أدبنا المعاصر أن يعالج الأوضاع التي ستجد بعد ألف عام.

وكما نحن بحاجه إلى أدب إسلامي معاصر يواكب حياتنا, ويعبر عنها, فنحن بحاجه إلى نقد إسلامي معاصر يواكب هذا الأدب ويؤصل له أصوله ويضع له معالمه وصوابه.

نعم, نحن في حاجة إلى مذهب إسلامي ونقده.

 

الداعون السابقون إلى هذا المذهب:

نحن لسنا أول من دعا إلى إقامة مذهب إسلامي في الأدب وإنما اقتفينا آثار طائفة من أعلام المسلمين, وأدبائهم الموهوبين. وقد كان أول من كتب في هذا الموضوع ونبه إليه فضيلة العالم العامل الشيخ أبو الحسن الندوي, وذلك حين اختبر عضوا في المجمع العلمي العربي في دمشق.

حيث قدم بحثاً دعا فيه إلى إقامة أدب إسلامي, والعناية به, فكان أول الداعين إلى ذلك وطليعة المنبهين إليه. ثم تلاه شهيد الإسلام والمسلمين "سيد قطب" فكتب مقالاً في هذا الموضوع ثم نشر في كتابه "التاريخ فكرة ومناهج".

وقد نبه في هذا المقال إلي وجود أدب إسلامي متميز, ودعا إليه وحض عليه.

وقد كان أول من استجاب لدعوته أخوه الأستاذ "محمد قطب" مد الله في عمرة, حيث ألف كتاب "منهج الفن الإسلامي" فكان كتابه أول كتاب نشر في هذا الموضوع.

ثم تلاه الطبيب الأديب الدكتور نجيب الكيلاني, فألف كتابه "الإسلام والمذاهب الأدبية" واتجه فيه وجه أدبيه إسلامية, بينما اتجه كتاب الأستاذ محمد قطب وجهه إسلامية بحتة.

ثم تلاهما الدكتور عماد الدين خليل فخطى خطوه رائده في هذا الطريق حين نشر كتابه " في النقد الإسلامي المعاصر" ثم أتبع خطوته هذه بخطوات أخرى لاستكمال الموضوع.

ثم كثرت المقالات والدعوات إلى تبني هذا الأدب, فكانت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أول من استجاب لهذه الدعوة وعمل على نقلها من نطاق الدعوات والنظريات إلى مجال التطبيق والتنفيذ, فأقرت مادتها في كلية اللغة العربية, وجعلتها عنصراً أساسيا من عناصر قسم البلاغة والنقد.

ولقد أقبل طلاب الدراسات العليا على هذه المادة إقبالاً كبيراً فسجلت فيها أربع وسائل للماجستير ورسالتان للدكتوراه.

وإن أملنا كبير في أن تتحول هذه المادة إلى مركز مستقل للأدب الإسلامي بعامة ولأدب الأطفال واليافعين والشباب خاصة.

 

 

 
 
من رواد الأدب الإسلامي
فنون أدبية
خريطة موقع الوزارة
شكاوى واقتراحات
مواقيت الصلاة
إستفتــــــاء


انضم للقائمة البريدية للموقع
 
 
page 

hits counter


 

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - دولة الكويت